النظام السياسي الهش في العراق:

التوافقية والأزمة الدائمة

خليل فضل عثمان

الملخص التنفيذي

لا يزال العراق، منذ الإطاحة بصدام حسين عام 2003، يتخبط في أزمات سياسية تترى. وفي صميم النظام السياسي في عراق ما بعد صدام حسين تكمن الترتيبات التوافقية المعروفة باسم المحاصصة، أو تقاسم موارد السلطة بين المكونات الإثنية والطائفية في البلاد. ولقد غدت المحاصصة، التي صُمِّمَت لاستيعاب التنوع المجتمعي، خللًا جوهريًا في النظام السياسي في العراق. فعوضًا عن الارتقاء بالإجماع الوطني، أدت إلى اشتداد عود سياسات الهوية الإثنية والطائفية، وتعزيز استحواذ النخب المتنفذة على الدولة، وتآكل سلطة الدولة.

وإن كافة الحكومات التي شُكِّلَت منذ عام 2003 كانت حكومات وحدة وطنية جمعت كيانات تمثل المكونات المجتمعية والسياسية الرئيسية. ومع ذلك، لا يزال العراق غارقًا في أوحال الانقسام والأزمات المتكررة كحاله دومًا. فالنظام يتيح للأحزاب التي تزعم أنها تمثل مصالح الجماعات المجتمعية أمر ترسيخ حضورها في السلطة، وتعزيز مصالحها، ومقاومة الإصلاح. والنتيجة جليّة: التوافقية المرتكزة إلى المحاصصة قد أمست مرادفًا للخلل، والفساد، وسوء الإدارة، وانعدام الكفاءة.

وتضرب المحاصصة جذورها في حقبة ما قبل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، وتكمن في سياسات المعارضة إبان الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، عندما أزاحت الأحزاب المنظمة على أساس الهويات الطائفية والقومية الإثنية الحركات الإيديولوجية العابرة للمكونات المجتمعية. ولقد أدت المساعي الرامية إلى تجاوز الانقسام المزمن عبر آليات تنسيق تقوم على نظام الحصص إلى مأسسة تمثيل المكونات المجتمعية، ما أرسى أسسًا للنظام السياسي في عراق ما بعد عام 2003.

وقد غدت المحاصصة، التي جرت مأسستها بعد عام 2003، قاعدة غير مكتوبة لتقاسم السلطة في طول مؤسسات الدولة وعرضها بين الأحزاب الطائفية والإثنية. وقد فاقمت السمات التكميلية للتوافقية – وخصوصًا، الفدرالية، والتمثيل النسبي – من التجزئة. فالبنية الفدرالية غير المتماثلة، التي تضم وحدة فدرالية واحدة تتمتع بقدر كبير من الحكم الذاتي، المتمثلة بإقليم كردستان، تغذي الانقسام. أما النظام الانتخابي النسبي فإنه يعزز أنماط الاقتراع على أسس طائفية وإثنية ويطيل أمد تشكيل الائتلافات. كما أن توزيع المناصب العليا في مفاوضات تُجرى بعد الانتخابات يفضي إلى اشتداد التنافس وترسيخ سيطرة النخب الإثنية والطائفية. ويؤدي منح الدستور صلاحيات واسعة لرئيس الوزراء إلى زيادة حدة التنافس على المنصب ويمكّن رئيس الوزراء من تركيز الصلاحيات في مكتبه، ما يؤول إلى بروز نزعات استبدادية.

لقد غذى هذا النظام الفساد، والمحسوبية، والزبائنية، ما أدى إلى تحويل الوزارات إلى إقطاعيات حزبية وتضخم البيروقراطية بموظفين غير مؤهلين. كما أن شعور المكونات المجتمعية بحيازتها على استحقاقات خاصة بها في موارد السلطة قد عزز الولاءات الإثنية والطائفية، وصاغ سلوك الناخبين، وقوض أركان المواطنة. ولعل أكثر ما يبعث على التشاؤم هو أن هذا النظام عصيٌّ جدًا على التغيير. فمبادرات الإصلاح قد تهاوت أمام المصالح الراسخة.

ثمة حاجة إلى إصلاحات جريئة: تعديل الدستور لتقليص صلاحيات رئيس الوزراء وتعزيز سلطة مجلس الوزراء مجتمِعًا؛ وتشكيل مجلس الاتحاد؛ وإصلاح القانون الانتخابي لتشجيع الأحزاب العابرة للمكونات المجتمعية؛ وتعديل قانون الأحزاب السياسية لتعزيز الأحزاب البرنامجية الجامعة؛ وتوطيد أركان استقلالية القضاء. وإنه لمن الضروري العمل على إعادة ضبط جذرية للمعايير المتبعة في النظام السياسي العراقي بما ينأى به عن نظام الحصص القائم على الهويات باتجاه الحوكمة الفعالة في تأدية وظائفها، والجدارة، والمساءلة، والمواطنة. وتبقى قدرة الطبقة الحاكمة على استجماع الإرادة السياسية لتطبيق عملية إصلاح شاملة كهذه موضع سؤال مفتوح على كافة الاحتمالات.

PX Media / shutterstock.comمصدر الصورة